المامقاني
339
غاية الآمال ( ط . ق )
وزياد الكلام انّما أفاد نفى المجيء عن القوم والاستثناء انما أفاد إثبات المجيء للحمار ولا يتأتى من مجموع المستثنى إلى والكلام المشتمل على المستثنى منه نفى المجيء من غير الحمار من سائر أفراد الحيوان كالفرس والبقر ونحوهما لعدم وفاء شيء من الجزئين به إذ ليس الحمار من افراد عنوان القوم حتى يقال انّه حصل حصر المجيء فيه من إثبات الحكم لبعض افراد القوم ونفيه عن بعضها وامّا الثانية وهي إفادة المنقطع المفرغ للحصر كما لو قيل ما جائني إلا حمار فلان ترك المستثنى منه في الكلام انما يكون مع العلم به وبشموله المستثنى فيصير المراد بأصل الكلام نفى المجيء عن كل ما هو صالح للمجيء وأهل له فإذا ثبت للمستثنى وهو الحمار في المثال المذكور أفاد حصر المجيء من بين ما هو صالح للمجيء وأهل له في الحمار هذا ولكن لا يخفى عليك ان هذا المطلب وان كان فيحد ذاته حقا الا ان لازم ذلك عدم كون الاستثناء منقطعا على التقرير المذكور لأنه يصير المستثنى من جنس المستثنى منه ومن جملة ما يندرج تحته فيصير تقييد ( المصنف ) ( رحمه الله ) بقوله غير مفرغ مستدركا إذ لا يوجد على التقرير المذكور مفرغ منقطع حتى يكون من حكمه عدم إفادة الحصر لتحرز عنه بالتقييد المذكور ولا يتوهم انّه يصحّ أن يكون المستثنى منه في مثل قولنا ما جائني الا حمار مفهوما كليا غير شامل للحمار كالقوم ونحوه ويقام قرينة للدلالة على ذلك المستثنى منه لأنا نقول إن ذلك لا يجدي في استقامة كلام ( المصنف ) ( رحمه الله ) لأن إفادة مثل ذلك الكلام للحصر ممنوع مضافا إلى أن الظاهر من مساق كلمات النحاة انهم لا يريدون بالمفرغ الا ما كان المستثنى منه المنوي شاملا للمستثنى ويدل على هذا كلام الشيخ الرضي ( رحمه الله ) حيث قال في طي كلام له في ذيل قول ابن الحاجب ويعرب على حسب العوامل إذا كان المستثنى منه غير مذكور وهو في غير الموجب ما نصه وفي المفعول المطلق إذا كان للتأكيد ووقع بعد إلَّا اشكال كقوله ( تعالى ) : « إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا » وذلك لان المستثنى المفرغ يجب ان يستثني من متعدد مقدر معرب بإعراب المستثنى المستغرق لذلك الجنس كما تقدم حتى يدخل فيه المستثنى بيقين ثم يخرج بالاستثناء وليس مصدر نظن محتملا مع الظن غيره حتى يخرج الظن من بينه وحله ان يقال محتمل من حيث توهم المخاطب إذ ربما تقول ضربت مثلا وقد فعلت غير الضرب مما يجرى مجراه كالتهديد والشروع في مقدمات الضرب فتقول ضربت ضربا لرفع ذلك التوهم كما انك إذا قلت جائني زيد جاز ان يتوهم انه جائك من يجرى مجراه فتقول جائني زيد زيد لرفع هذا الوهم فلما كان قولك ضربت محتملا للضرب وغيره من حيث التوهم صار المستثنى منه فيما ضربت الا ضربا كالمتعدد الشامل للضرب غيره من حيث ( صح ) الوهم فكأنك قلت ما فعلت شيئا إلا ضربا قال وما اغترّه الشيب الَّا اغترارا قال ابن يعيش هذا الكلام محمول على التقديم والتأخير أي ان نحن الا نظن ظنا وما اغتره الا الشيب اغترارا وهو تكلف انتهى وكيف كان فالآية المذكورة قد اجتمع فيها القيدان ولو فرض انه لا مدخل للقيد الثاني لم تفد الحصر ( أيضا ) لكون الاستثناء منقطعا لأن مؤدى أصل الكلام انما هو النهى عن أكل المال بالباطل واستثنى منه التجارة الناشئة عن التراضي المسبوقة به فيثبت الإباحة بالنسبة إليها ولا يلزم من ذلك حرمة التجارة التي لحقها التراضي لعدم دخولها في أكل المال بالباطل فلا مانع من أن تكون هي ( أيضا ) كالمسبوقة مباحة فلم تفد الآية المذكورة الحصر قوله ثم على القول بالكشف هل للطرف الغير المكره ان يفسخ قبل رضا المكره أم لا يأتي بيانه في الفضولي ( إن شاء الله ) ( تعالى ) اعلم أنه لا إشكال في جواز تصرف المكره في ماله قبل الرّضا بالعقد المكره عليه ولا يتوقف على إنشاء فسخ منه واحتمال توقفه عليه مدفوع بالأصل بل بظاهر الأدلَّة واما الطرف الأخر المقابل للمكره فالذي ذكره فيه بعض المعاصرين انه لا يبعد ان له التصرف في ماله ( أيضا ) للأصل والاستصحاب والعمومات وان لم يكن له فسخه وفي الجواهر ان عقد المكره حيث يكون كالفضولي فيجب انتظار غير المجبور وليس له الفسخ قبل فسخ المجبور وعن بعضهم ان القول بوجوب انتظاره مخالف لظاهر الشريعة و ( المصنف ) ( رحمه الله ) بنى المسئلة على القول بالكشف نظرا إلى أن الإجازة على القول بالنقل لها مدخل في العقد شرطا أو شطرا فما لم يتحقق الشرط أو الجزء لم يجب الوفاء على أحد من المتعاقدين لان ما أمر بالوفاء به انما هو العقد المقيد الذي لا يوجد الا بعد القيد وهذا هو الذي صرّح به فيما سيأتي ( إن شاء الله ) ( تعالى ) في مقابل ما استظهره من المحقق الثاني ( رحمه الله ) من عدم جواز تصرف الأصيل في ماله حتى على القول بالنقل وعلى هذا فيبقى الكلام على القول بالكشف فالذي حكاه هناك عن جماعة منهم العلامة ( رحمه الله ) والسيّد عميد الدين والمحقق الثاني ( رحمه الله ) هو عدم جواز التصرف وما حكاه عن بعض معاصريه هو الجواز وستعرف التفصيل ( إن شاء الله ) ( تعالى ) ووجه الفرق بين القول بكون الإجازة ناقلة وكونها كاشفة هو انه على الأول لم يتحقق قبل صدورها عمن من شانه صدورها عنه انتقال ماله إلى غيره والإجازة ان صدرت من أهلها وانما تفيد النقل من حين صدورها فيجوز له التصرف فيه وامّا على الثاني فإن شأن الإجازة لما كان هو الكشف عن الصحّة العقد وانتقال المال من حين وقوع العقد وقد كان من المحتمل لحوقها سرى هناك احتمال كون المال في الواقع ملكا للطرف الأخر فلا يجوز له التصرف فيه فيجب عليه الانتظار إلى أن يعلم الحال من جانب المكره انه يخبر أو يرد وليس له التمسك بأصالة عدم وقوع الإجازة من المكره بعد ذلك من جهة الشك في أنه هل تصدر منه في المستقبل أم لا لان العقل يحكم بالاحتياط والانتظار فيما وقع عنوان دار أمره بين كونه ممّا يترتب عليه حكم إلزامي بالفعل لكن لم يعلم به المكلف وينكشف بعد ذلك وبين كونه مما لم يترتب عليه ذلك وأدلة الأصول اللفظية اما منصرفة إلى غير مثل هذا المورد أو مخصّصة بحكم العقل لكون طريقي الإطاعة والعصيان موكولين إليه ولذلك حكموا في منذور الصدقة به على تقدير غير معلوم التحقق بلزوم الانتظار وعدم جواز التصرف فلو نذر أضحية شاة ان قدم مسافرة لم يجز له التصرف فيها إلى أن يتبين وقوعه أو عدمه هذا وقد يحتمل التفصيل في أصل المسئلة بان الطرف الأخر ان كان عالما بكون صاحبه مكرها على المعاملة لم يجز له التصرف في ماله ووجب عليه انتظار مال حال المكره من الإجازة أو الرد لأنه أقدم على معاملة المكره الَّتي هي مما يحتمل فيه الأمران بسوء اختياره فلا بد من أن يلتزم بلازم ذلك وان لم يكن عالما جاز له التصرف من دون فرق في القسمين بين القول بالنقل وبين القول بالكشف غاية ما في الباب انه في صورة جهله بكون صاحبه مكرها يثبت له الخيار من جهة ان انتظار المكره إلى أن يرد أو يخبر ضرر عليه وهذا وان لم يكن مندرجا تحت عنوان خاص من عناوين الخيار المقررة الا ان أقسامه غير منحصرة في العناوين الخاصة المقررة بل كل مورد يجيء فيه الضرر من جهة الصّبر والانتظار يجيء فيه الخيار وربما ظهر من بعض من تأخر الميل إلى اختياره لكنه ينافي ما بنى عليه في كثير من الموارد من أن التمسك بأدلَّة الضرر ونحوها من العمومات التي تطرق إليها كثرة التخصيص لا يعمل بها إلا في المورد الذي